محمد أبو زهرة

582

زهرة التفاسير

« وقال ابن خويزمنداد : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ منسوخة ؛ لأن الإجماع قد تقرر بأن عدوا لو استولى على مكة وقال : لأقاتلنكم ، وأمنعكم من الحج ولا أبرح من مكة ؛ لوجب قتاله وإن لم يبدأ بالقتال . فمكة وغيرها من البلاد سواء . وإنما قيل فيها : هي حرام ، تعظيما لها ؛ ألا ترى أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث خالد بن الوليد يوم الفتح وقال : « احصدهم بالسيف حتى تلقاني على الصفا » « 1 » . حتى جاء العباس فقال : يا رسول اللّه ، ذهبت قريش ، فلا قريش بعد اليوم . ألا ترى أنه قال في تعظيمها : « ولا يلتقط لقطتها إلا منشد » « 2 » . واللقطة بها وبغيرها سواء . ويجوز أن تكون منسوخة بقوله : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ . قال ابن العربي : « حضرت في بيت المقدس - طهره اللّه - بمدرسة أبي عقبة الحنفي ، والقاضي الزنجاني يلقي علينا الدرس في يوم الجمعة ، فبينا نحن كذلك إذ دخل علينا رجل به المنظر على ظهره أطمار ، فسلم سلام العلماء وتصدر في صدر المجلس بمدارع الرعاء . فقال القاضي الزنجاني : من السيد ؟ فقال : رجل سلبه الشطار أمس ، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس ، وأنا رجل من أهل صاغان من طلبة العلم . فقال القاضي مبادرا : سلوه ؛ على العادة في إكرام العلماء بمبادرة سؤالهم ، ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم ، هل يقتل أم لا ؟ فأفتى بأنه لا يقتل . فسئل عن الدليل . فقال قوله تعالى : وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ قرئ « ولا تقتلوهم ، وَلا تُقاتِلُوهُمْ » فإن قرئ « ولا تقتلوهم » فالمسألة نص ، وإن قرئ « وَلا تُقاتِلُوهُمْ » فهو تنبيه ؛ لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان دليلا بينا ظاهرا على النهي عن القتل . فاعترض عليه القاضي منتصرا للشافعي ومالك - وإن لم ير مذهبهما - على العادة ، فقال : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ . فقال له الصاغاني : هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه ، فإن هذه الآية التي اعترضت بها ، عامة في الأماكن ، والتي احتججت بها

--> ( 1 ) تفسير القرطبي : سورة البقرة : 192 . ( 2 ) جزء من حديث متفق عليه ، رواه البخاري : الديات - من قتل له قتيل ( 6372 ) ، ومسلم : الحج - تحريم مكة ( 2415 ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه . ولفظه : « ولا يلتقط ساقطتها إلا منشد »